الجصاص

180

أحكام القرآن

بالشركة وأنه جائز أن يحرم البعض منهم ويعطى البعض ، فثبت أن المقصد صرفها في بعض المذكورين ، فوجب أن يجوز إعطاؤها بعض الأصناف كما جاز إعطاؤها بعض الفقراء ، لأن ذلك لو كان حقا لهم جميعا لما جاز حرمان البعض وإعطاء البعض . قال أبو بكر : ويدل عليه ما روي في حديث سلمة بن صخر حين ظاهر من امرأته ولم يجد ما يطعم ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينطلق إلى صاحب صدقة بني زريق ليدفع إليه صدقاتهم ، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم دفع صدقاتهم إلى سلمة ، وإنما هو من صنف واحد . وفي حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار في الرجلين اللذين سألا النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة ، فرآهما جلدين فقال : " إن شئتما أعطيتكما " ولم يسألهما من أي الأصناف هما ليحسبهما من الصنف . ويدل على أنها مستحقة بالفقر قوله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم " ، وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : " أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم حقا في أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد في فقرائهم " ، فأخبر أن المعنى الذي به يستحق جميع الأصناف هو الفقر ، لأنه عم جميع الصدقة وأخبر أنها مصروفة إلى الفقراء ، وهذا اللفظ مع ما تضمن من الدلالة يدل على أن المعنى المستحق به الصدقة هو الفقر ، وأن عمومه يقتضي جواز دفع جميع الصدقات إلى الفقراء حتى لا يعطى غيرهم ، بل ظاهر اللفظ يقتضي إيجاب ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : " أمرت " . فإن قيل : العامل يستحقه لا بالفقر . قيل له : لم يكونوا يأخذونها صدقة وإنما تحصل الصدقة للفقراء ثم يأخذها العامل عوضا من عمله لا صدقة ، كفقير تصدق عليه فأعطاها عوضا عن عمل عمل له ، وكما كان يتصدق على بريرة فتهديه للنبي صلى الله عليه وسلم هدية للنبي وصدقة لبريرة . فإن قيل : فإن المؤلفة قلوبهم قد كانوا يأخذونها صدقة لا بالفقر . قيل له : لم يكونوا يأخذونها صدقة وإنما كانت تحصل صدقة للفقراء فيدفع بعضها إلى المؤلفة قلوبهم لدفع أذيتهم عن فقراء المسلمين وليسلموا فيكونوا قوة لهم ، فلم يكونوا يأخذونها صدقة بل كانت تحصل صدقة فتصرف في مصالح المسلمين ، إذ كان مال الفقراء جائزا صرفه في بعض مصالحهم إذ كان الإمام يلي عليهم ويتصرف في مصالحهم . فأما ذكر الأصناف فإنما جاء به لبيان أسباب الفقر على ما بينا ، والدليل عليه أن الغارم وابن السبيل والغازي لا يستحقونها إلا بالحاجة والفقر دون غيرهما ، فدل على أن المعنى الذي به يستحقونها هو الفقر . فإن قيل : روى عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم أنه سمع زياد بن الحارث الصدائي يقول : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم ، فقلت أعطني من صدقاتهم !